الاعترافُ بالفضلِ لأهلِهِ

 بِسْم الله الرحمن الرحيم

 

لله الحمدُ أنْ كسرَ شوكةَ الظالمينَ، وأهلكَ في سرت البغاةَ المارقينَ، أسألُ اللهَ العظيم أنْ يقطعَ دابرَهم مِن بلادِ المسلمين.

لقد كلّفوا بلادَنا ثمنًا باهضًا، على مدى سبعة أشهر من القتال المريرِ، تصدّت لهم فئةٌ مؤمنةٌ صابرةٌ، نحسبُهم صدَقُوا ما عاهَدوا اللهَ عليهِ، كلّفتْهم الأشلاءَ والدماءَ والأرواحَ والأطرافَ، وكلّفت الآباءَ والأمهاتِ والأهلَ والأولادَ فقْدَ أعزةٍ عليهم أحبّاء.
كلّ الذين قُتلوا أو أصيبوا أو شارَكوا في معركةِ سرت، من كلِّ المدنِ الليبيةِ، لهم مِنَّةٌ في أعناقِ كلِّ أهلِ ليبيا، بل لهم على المسلمينَ جميعًا يدٌ طولَى لا تُنسَى؛ أنْ كفُّوا شرَّ هذه العصاباتِ، الذين سَعَوا في البلادِ، فأكثَروا فيها الفسادَ، وأساؤوا للإسلامِ وأهلِهِ أيما إساءة، فطُوبى لمَن قاتلَهم أو قتلُوهُ.
وكلّ مَن شاركَ في هذه المعركةِ محتسبًا، سواء ماتَ وتُرجَى له الشهادةُ بإذن الله، أو رَجعَ إلى أهلِه سالمًا، فإن اللهَ تعالى أعدَّ لهُ أجرًا عظيمًا، يقولُ الله تعالى: (وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
وقد أخبرَنا اللهُ تعالى أنّ مَن عاشَ، ورجعَ إلى أهلهِ مِن المجاهدين، يستبشرُ الشهداءُ برجوعِه إلى أهلهِ ويفرحونَ لبقائِهِ مدافعًا عن دينِ اللهِ وأهلِهِ؛ قالَ اللهُ تعالى: (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
ومعركة سرت كانَ فيها معنَى التضامن، شاركتْ فيها أكثرُ مِن ثلاثينَ مدينة في ليبيا، مشاركاتٍ متفاوتةً، ولكن كما قيلَ في المثلِ: "كلّ الصيدِ في جوفِ الفِرا"، تحملت مدينةُ مصراتَة المجاهدة في هذه المعركةِ العبءَ الأكبرَ، والنصيبَ الأوفرَ، تحملت نحوا من ثمانين في المائة مِن أعبائِها، بشبابِها وأموالِها، ورجالِ أعمالِها وقياداتِها، وحملاتِها الخيريةِ الجهاديةِ، وعلى رأسِها حملةُ جاهد، وكذلكَ صبر ودعم نسائِها.
وقد مَنَّ اللهُ على هذه المدينةِ، أنّها ما اجتمعتْ كلمتها في معركةٍ إلّا وكتبَ اللهُ لها النصرَ، وحالَفَها التوفيقُ، وقد أدركَ العدوُّ هذا الخطرَ عليهِ مِن مدينةِ مصراتة، وأنّها الحصنُ المنيعُ للثورةِ، فعملَ على فرقتِهم مِن الداخلِ، فعلَى الأعداءِ مِن اللهِ ما يستحقونَ، وعلى أهلِ مصراتة أن ينتبهُوا، ولا يسمَحوا لهم بذلكَ، ولا يفرّطُوا في العزةِ التي أعزّهم اللهُ بها، بنصرةِ الحقِّ وأهله ، فلا يكونُ فيهم مَن يُقفلُ الميناءَ، ويمنعُ عن المجاهدين في بنغازِي مدَّ العونِ والنصرةِ، التي عوَّدوهُم بها، فإنّ عدوَّ بنغازي هو عدوهم وعينُه على مصراتة، فهي أولُ أهدافِه إنْ سقطتْ بنغازي.
فالدفاعُ عن بنغازي دفاعٌ عن مصراتة، إخوانُكم يا أهل مصراتة مستَضعفُونَ، رماهُم حفتر وتحالفَاتُه الدوليةُ عن قوسٍ واحدةٍ، الوقوف معهم واجب على كل أهل ليبيا بما يملكون، قال الله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر)، فلا تُسْلموهم لعدوكم وعدوهم وتصدقوا قول أعدائكم فيهم بوصف الإرهاب، واعلموا أنكم إن صدقتموهم فلن ينجو أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ جَهّزَ غَازِيًا في سَبِيلِ اللهِ فقدْ غَزَا).
أسألُ الله أن يتقبلَ مَن ماتَ في الشهداءِ الأبرارِ، ويعوضَنا ويعوّضَ أهلَهُم فيهم خيرًا، وأنْ يشفيَ ويعافيَ كلّ مَن أصيبَ، ويجزيَهم خيرَ الجزاءِ.

 

الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
7 ربيع الأول 1438 هـ
8 ديسمبر 2016 م

التبويبات الأساسية